ابن الجوزي

474

كتاب ذم الهوى

أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن التنوخي ، عن أبيه قال : حدثني عبد اللّه بن محمد ، قال : حدثني شيخ كان يخدمني ، وقد تجارينا أحاديث ، قال : بتّ ليلة في مكان ، فقتل رجل رجلا فخرجت والليل منتصف ، لا أدري أين أقصد ، وخفت العسس ، فرأيت أتون حمّام ولم يوقد بعد ، فقلت : أختبىء فيه إلى أن يفتح الحمّام فأدخله ، فجلست في ناحية من الأتون ، فما لبثت حتى سمعت وقع حافر ، فإذا رجل معه جارية ، فأدخلها إلى الأتون فذبحها ، وتركها ، ومضى ، فرأيت بريق خلخالين في رجلها فانتزعتهما منها ، وصبرت ساعة ثم خرجت وما زلت أمشي في طريق لا أعرفه متحيرا إلى أن اجتزت بحمّام قد فتح ، فدخلته وخبأت ما معي في ثيابي وخرجت ، فعرفت الطريق ، وعلمت أني بالقرب من دار صديق لي ، فطلبتها ودققت بابه ففتح لي وسرّ بقدومي ، وأدخلني ، فدفعت إليه دراهمي ليخبأها والخلخالين ، فلما نظر إليهما تغير وجهه ، فقلت : مالك ؟ فقال : من أين لك هذان الخلخالان ؟ فأخبرته بخبري كله في ليلتي تلك ، فقال لي : تعرف الرجل الذي قتل الجارية ؟ فقلت : أما بوجهه فلا ، لأنّ الظلمة كانت حائلة بيننا ، ولكن إن سمعت كلامه عرفته . فأعدّ طعاما ونظر في أمره ، ثم خرج وعاد بعد ساعة ومعه رجل من الجند ، فكلّمه وغمزني عليه ، فقلت : نعم هو الرجل ! . ثم أكلنا ، وحضر الشراب فحمل عليه بالنبيذ حتى سكر ونام في موضعه ، فغلق باب الدرب وذبح الرجل ، وقال لي : إنّ المقتولة أختي ، وكان هذا قد أفسدها ، وأنا منذ مدّة أتخبّر ، فلا أصدق ، إلا أني طردت أختي ، وأبعدتها عني ، فمضت إليه ، ولست أدري ما كان بينهما حتى قتلها ، وإنما عرفت الخلخالين ، فدخلت وسألت عن أمرهما ، فقالوا لي : هي عند فلان ، فقلت : قد رضيت عنها ، فوجهوا ردّوها ، فمضوا يعرفون خبرها ، فلجلج الرجل ، فعلمت أنه قد قتلها كما ذكرت ، فقتلته . فقم حتى ندفنه . فخرجنا ليلا أنا والرجل حتى دفناه ، وعدت إلى المشرعة هاربا من البصرة حتى وصلت إلى بغداد ، وحلفت لا أحضر دعوة أبدا ! .